نشرت الخدمة العالمية لبي بي سي تقريرا مطولا تم إعداده في موريتانيا، وبالتحديد في مخيم امبره الذي يضم اللاجئين الماليين. وقد كشف التقرير عن شهادات مختلفة لماليين تعرضوا لأنواع التعذيب وسوء المعاملة قامت بها قوات “فاغنر” الروسية. .
وحسب تقرير بي بي سي، يُنظرغالبا في مالي إلى مجتمع الطوارق والجتمعات العربية الرحّل التي تعيش في صحارى شمال مالي الشاسعة بعين الشك، ولا سيما منذ أن تمّت السيطرة على انتفاضةٍ انفصاليةٍ للطوارق قبل أكثر من عقد من الزمن من قبل جماعاتٍ جهادية تعمل اليوم في الغالب تحت راية تنظيم مرتبط بالقاعدة يُعرف باسم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM).
ورصد مع التقرير عدة شهادات من مخيم امبره، ونشر التقرير بالانجليزية، وأعد الصحفي الموريتاني حامد المختار ترجمة هذه الشهادات لموقع “تقصي”
صاحب متجر تحدثت إليه بي بي سي هرب من مالي ويعمل حاليا في مخيم اللاجئين في موريتانيا، وقد أطلق عليه اسم أحمد وهو اسم مستعار على غرار أسماء جميع الشخصيات المذكورة في هذا التقرير حفاظا على سلامتهم.
قال أحمد لبي بي سي أن محنته بدأت حين وصل جنود من قوات فاغنر إلى المتجر الكبير الذي كان يعمل به في وسط بلدة نامبالا في أغسطس 2024
رغم أنهم كانوا زبناء دائمين للمحل، فقد جاؤوا لاعتقال المالك متهمين إياه بالتآمر مع الجهاديين ذوي الحضور القوي في المنطقة، يروي أحمد.
وأضاف أحمد أن جنود فاغنر أخذوه إلى إحدى سياراتهم، وأقحموه داخلها وقيدوا يديه.
“أخذ أحد الجنود سكينا ووضعه على أصبعي وسألني أين مالك المحل؟ أجبته بأنه في العاصمة باماكو فكان رده ‘إجابة خاطئة'”
وأفاد أحمد بأن جنود فاغنر الذين تحدثوا معه بمساعدة مترجم أخذوه بعدها إلى قاعدة عسكرية مالية ذات تحصينات قوية، ليضعوه داخل مستودع.
كنت موجود بمعية ثلاث جنود من قوات فاغنر داخل المستودع، ملؤوا خزانا من الماء ثم أمروني بالتخلص من ثيابي، ففعلت ذلك، وضعوا رأسي في الماء حتى كدت أختنق فسقطت، بعدها وضعوا أرجلهم على صدري فصرت أتنفس بصعوبة كبيرة.
وضعوا رأسي في الماء مجددا وسألوني السؤال ذاته للمرة الثانية فأخبرتهم ذات الإجابة الأولى مضيفا أن التعذيب تكرر للمرة الثالثة ولم تتغير إجابته
بعدها يقول أحمد إنهم رموه في حمام صغير، حيث وجد أمامه سكانا محليين آخرين كان على معرفة سابقة بهم، من بينهم حسين الذي عذب ببشاعة لدرجة أنه لم يتعرف عليه في الوهلة الأولى.
بعد قرابة 40 دقيقة أحضروا عمر (أحد معارِف أحمد) كان هو الآخر في وضعية بالغة السوء جراء التعذيب، نمنا جميعا في ذلك الحمام وفي الصباح جلبوا لنا قطعة خبز مع قهوة
يفيد أحمد، أنهم أرجعوه إلى المستودع مرة أخرى حيث لف المقاتلون الروس ضمادة حول رأسه ووجهه
“لم أستطع رؤية أي شيء ولا الحديث، بعدها وضعوا سكينا على رقبتي وأخبروا المترجم أن يخبرني بأنها فرصتي الأخيرة إن لم أخبرهم الحقيقة فسيقطعوا رأسي، أخبرت المترجم أني زودتم بكل ما لدي من معلومات”
قال أحمد إن المحققين الروس بعدها أزالوا الضماد ورموه داخل مطبخ حيث قضى ليلته مع شخصين غريبين، أحدهم من الطوارق وقد أخبره أنه اعتقل أثناء رعيه الماشية دون معرفة السبب وراء اعتقاله، أما الآخر فهو عربي اعتقل أثناء بحثه عن جِماله.
بعد أن أمضى معهما ليلته أعادوه مرة أخرى إلى المستودع
“أحضروا الرجلين العربي والذي ينتمي إلى الطوارق وقطعوا رأسيهما بحضوري” يضيف أحمد
بدا مُفزَعا، حاول أحمد حبس دموعه وهو يخبر بي بي سي ما حدث بعدها
“وضعوا إحدى الجثث قريبا مني لأشم الدم الطازج وقالوا ‘إن لم تخبرنا مكان مالك المتجر، فستلقى ذات المصير’
قال أحمد إنه نجا من الموت بعد أن اتصل قائد فاغنر بضابط في الجيش المالي، الذي أكد له أن مالك المتجر لم يكن متواطئا مع الجهاديين، مضيفا أن القائد نفسه توجه إلى القاعدة ليطلق سراحه صحبة عمر ومالك متجر آخر.
“أمضيت خمسة عشر يوما هناك، بعدها قررت الرحيل إلى موريتانيا رفقة زوجتي وأطفالي”
الصراع الدائر في مالي أرغم حسب وكالة اللاجئين قرابة 50 ألف شخص على النزوح إلى مخيم ‘امبره’ للاجئين في موريتانيا.
من بينهم بينتو التي أخبرت بي بي سي أنها هربت من قريتها العام الماضي رفقة أطفالها الخمسة بعد أن تم رمي جثة زوجها المثقوبة بالرصاص في أحد الأنهار وأخبرها سكان محليون أنه تم إطلاق النار عليه عدة مرات وهو يمتطي ظهر حصانه.
“من سيعتني بأبنائي؟ من سيعتني بي؟” تتساءل بينتو وهي تكنس قطعة الأرض الصغيرة أمام مسكنها في المخيم
“عندما أسمع كلمة فاغنر أشعر بالصدمة والخوف. أكره كلمة فاغنر لأنهم أدخلوا الحزن إلى حياتي”
عندما التقت به بي بي سي كان لاجئ آخر يدعى يوسف مرتديا ثوبا أزرق داكنا وعمامة بيضاء، جالسا تحت سقيفة، وعيناه تعكسان صدمة تجاربه.
تذكر أنه هو وأصدقاؤه كانوا يرعون قطيعا بالقرب من الحدود الموريتانية، وتوقفوا عند بئر ليحصلوا على ماء شروب ليروا في الأثناء غيمة غبار قادمة من مسافة بعيدة
قال يوسف إن سيارة مسرعة اتجهت إليهم، اتضح أنهم جنود من قوات فاغنر، الذين شرعوا يضربونهم دون مبرر واضح – تجربة رواها عدة لاجئين لبي بي سي
ذكر يوسف أن أحد مقاتلي فاغنر أمسكه وهدده برميه داخل البئر لكن جنديا آخر تدخل ليمنعه من ذلك، بعدها يقول يوسف إنه وأصدقائه أُدخلوا سيارات مختلفة في كل واحدة منهم ثلاثة عناصر من فاغنر.
“أثناء القيادة، كانوا يضربونني طوال الطريق، يركلوني، ويدوسون وجهي ورأسي بأحذيتهم، ويضربون صدري. لا أعرف ماذا حدث لماشيتنا”
أخذ هو وأصدقاؤه إلى معسكر شمال بلدة لوري حيث قال يوسف إنه تم تعذيبهم هناك؛ أتى رجل يحمل قضيبا معدنيا، ضربنا بشدة لدرجة شعرت فيها أنني سأموت. ربطوا أذرعنا معا حتى لا نستطيع الحركة وضربونا بقوة على أفخاذنا وسيقاننا لمنعنا من الهرب
قال يوسف إنهم بعد ذلك جروهم إلى مكتب واستمروا في ضربهم حتى أغمي عليهم
يضيف يوسف أنه بعد استعادته الوعي وجد يديه مقيدتين مع يدي أحد أصدقائه، لكن يدي صديقه لم تكونا تتحركان
“أحضروا دراجة نارية قريبا من وجهي ثم أداروا محركها، ونفخوا بخارها في أنفي لإيقاظي، وفعلوا الشيء نفسه مع صديقي لكنه لم يستجب؛ عندها أدركوا أنه مات”
يقول يوسف إنه لا يدري مصير جثة صديقه، لكنه أطلق دون أي تفسير رفقة أصدقائه الآخرين
يقول أحمد الذي عمل سابقا في متجر إنه قبل تجربة التعذيب التي مر بها، كان شاهدا على الكيفية التي كانت ترتكب فاغنر بها الفظائع على نطاق واسع حيث فرضت ذات مرة حصارا على بلدة نمبالا وقرى مجاورة
قال إنه كان من بين السكان الذين أجبروا على التجمع في ملعب كرة قدم بينما كان المرتزقة يحاولون تحديد الشخص الذي – حسب زعمهم – كان يستخدم هاتفا فضائيا
“نادوا “سيكو سيسي” كان رجلا عاديا يرتدي قبعة تقليدية، جردوه من ملابسه وملأوا برميلا بالماء وأمسكوا رجليه ووضعوا رأسه في الماء حتى توقف عن التنفس” يقول أحمد
وأضاف أحمد أن مقاتلي فاغنر بحضور الجنود الماليين أحضروا لاحقا المجارف والفؤوس إلى الملعب لإرهاب الناس وجعلهم يظنون أنهم سيضطرون لحفر قبورهم بأنفسهم ما لم يحددوا الشخص الذي حسب زعمهم كان يستخدم الهاتف الفضائي.
بعد أن قضى السكان اليوم كله تحت أشعة الشمس الحارقة، يقول أحمد إنه أفرج عنهم، باستثناء شخص واحد أخذته القوات المرتزقة ولا يعرف مصيره
قال أحمد إنه أراد أن يُقدم مقاتلوا فاغنر إلى العدالة، وأن يحاسبوا على الفظائع التي ارتكبوها
“هذه التجربة تطاردني، إنها تسبب لي كوابيس” يقول أحمد وهو جالس في المخيم مرتديا ثوبه الأسود بالكامل، غير متأكد مما إذا كان سيعود يوما إلى حياته العادية كعامل في متجر.